بعد 108 عامًا.. اكتشاف قصة العامل المصري الذي تحدى قائدًا بريطانيًا ومات رميًا بالرصاص في فرنسا


بعد أكثر من قرن من الصمت، برز اسم عامل مصري بسيط ليتحوّل إلى رمز للمقاومة والكرامة في إحدى صفحات الحرب العالمية الأولى. محمود محمد أحمد الفلاح، الذي دُفن في مقبرة مازارجيه الحربية بمدينة مارسيليا الفرنسية قبل 108 أعوام، لم يعد مجرد اسم على لوحة تذكارية، بل بطلًا رفض الإهانة وتمرد دفاعًا عن حقوقه وكرامة زملائه.

في عام 1917، أرسلت بريطانيا آلاف العمال المصريين إلى جبهات الحرب في أوروبا تحت نظام “فيلق العمال”، للقيام بأعمال شاقة كشق الطرق وتركيب خطوط السكك الحديدية ونقل المؤن والإنقاذ، بعقود مدتها ستة أشهر وبمعاملة أقرب إلى العسكرية، وظروف قاسية أدت إلى وفاة عدد كبير منهم بسبب الأمراض والبرد وسوء التغذية.

ومع تصاعد الخطر بعد استهداف الطيران الألماني لمعسكرات العمال، شعر المصريون بأنهم يُستخدمون كدروع بشرية بلا حقوق ولا حماية، وطالبوا بعودتهم إلى بلادهم بعد انتهاء مدة عقودهم. وبينما اندلعت عدة احتجاجات في معسكرات الشمال، كان المشهد الأعنف في معسكر “فورنييه” بمدينة مارسيليا.

هناك، برز محمود محمد أحمد، العامل الريفي الذي لم يكن يميّزه شيء سوى إحساسه بالعزة. عقب تعرضه وزملائه لإهانة لفظية من أحد الرقباء الأوروبيين، قاد محمود حركة تمرد وهروب جماعي شارك فيها أكثر من 500 عامل. لكنه لم يكتف بالهرب، بل عاد إلى المعسكر مع نحو 150 عاملًا لمواجهة القائد الذي أهانه، واشتبكوا مع القوات البريطانية والفرنسية، في واحدة من أجرأ حوادث التمرد في صفوف فيالق العمال.

محمود اعتُقل بعد مقاومة شرسة، وحُوكم عسكريًا بتهمة العصيان وضرب قائد أعلى منه رتبة، ليصدر الحكم بإعدامه رميًا بالرصاص يوم 10 أكتوبر 1917. غير أن حادثته أشعلت موجة تمرد واسعة أجبرت السلطات البريطانية لاحقًا على تعديل عقود العمال، وإعادتهم إلى مصر مطلع عام 1918، لتُغلق معسكرات العمل نهائيًا.

اليوم، لا يزال اسم محمود محفورًا على اللوحة التذكارية في مقبرة مازارجيه، دون ذكر قصته أو بطولته، فيما لم يصل نبأ وفاته إلى أسرته على الأرجح. لكن في أرشيف الحرب والذاكرة التاريخية، بات اسمه شاهدًا على أن البطولة قد تولد من قلب المعاناة، حتى لو كانت من عامل مجهول جاء من قرية بعيدة، ودُفن في أرض لا يعرف أهلها لغته.