تشيلى.أمين مزوز
يُعرف شعب المابوتشي كأحد الشعوب الأصلية العريقة التي قاومت الاحتلال الإسباني بكل جسارة في القارة الأمريكية. وتشير بعض المراجع التاريخية إلى أنه كان من أواخر الشعوب في المنطقة التي استمرت في مقاومة التدخل الأجنبي داخل أراضيها الشاسعة، الممتدة من الأروكانيا إلى فالديفيا مروراً بمقاطعة بيوبيو وسط الشيلي. فمنذ وصول الإسبان إلى المنطقة خلال القرن السادس عشر، وخاصة بعد سنة 1541 مع تأسيس سانتياغو، دخل المابوتشي في حروب طويلة ضد الاحتلال — ولا أقول “الاستعمار”، لأن كلمة استعمار مشتقة من “أعمر يعمر”، بينما كان الواقع في كثير من الأحيان أقرب إلى عملية غزو عنيفة ووحشية، وصلت في بعض الروايات إلى أكل لحوم بعض أبناء الشعوب الأصلية من طرف بعض الإسبان — فيما عُرف بحروب الأروكو، والتي استمرت لقرون. غير أن جسارة هذا الشعب دفعت التاج الإسباني سنة 1641 إلى توقيع “معاهدة كيلين” مع المابوتشي، معترفاً عملياً باستقلال جزء مهم من أراضيهم جنوب نهر البيوبيو.
واليوم، يطلق التشيليون على هذه المناطق اسم “الجنوب”، وذلك لسبب تاريخي مرتبط بنشأة الدولة التشيلية الحديثة بعد استقلال الشيلي سنة 1818؛ إذ انطلقت فكرة الدولة القطرية المسماة تشيلي من سانتياغو، العاصمة، ثم بدأت تتمدد شمالاً وجنوباً. وبهذا المعنى، كانت أراضي المابوتشي تقع جنوب سانتياغو، قبل أن تبدأ الدولة الجديدة في فرض سيطرتها التدريجية على المنطقة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخاصة ما بين 1861 و1883 فيما عُرف تاريخياً بـ “احتلال الأروكانيا”.
وحتى بعد خضوع هذه الأراضي لسيطرة الدولة التشيلية الجديدة، ثم توسعها لاحقاً إلى ما بعد أراضي المابوتشي نحو مناطق شعوب أخرى مثل الكاويسكار والياغان — اللذين تعرضا للإبادة بشكل شبه كامل خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين — ظل هذا التصور حاضراً في المخيال التشيلي إلى اليوم، حيث يُنظر إلى تلك الأراضي باعتبارها “الجنوب”، رغم أنها في الأصل أراضٍ ذات تاريخ وهوية وثقافة سابقة لقيام الدولة نفسها.
وفي هذا الصدد، يتضح لكل مطلع، أو حتى لزائر فطن، الطابع الخاص لهذه المناطق؛ سواء من حيث ملامح ووجوه كثير من السكان، أو من خلال الحضور الواضح للأعلام والرموز المرتبطة بالثقافة المحلية، فضلاً عن اللباس، واللغة، وبعض الأعراف المتصلة بما يُعرف بدين الأجداد والتقاليد الروحية لشعب المابوتشي. كما لا يزال حضور لغة المابودونغون وبعض الطقوس التقليدية قائماً إلى اليوم، رغم عقود طويلة من محاولات الصهر الثقافي الإجباري التي عرفتها البلاد خلال القرن العشرين.
بل إن الأمر يتجاوز ذلك أحياناً إلى مستوى الهوية والانتماء؛ إذ إن بعض الأشخاص يعرّفون أنفسهم كمابوتشيين أكثر من كونهم تشيليين، وفي بعض الحالات قد تجد من يعرّف نفسه حصراً باعتباره مابوتشياً، في تعبير واضح عن قوة الانتماء الثقافي والتاريخي لهذا الشعب، وعن استمرار حضوره داخل المجال الاجتماعي والرمزي رغم التحولات السياسية التي عرفتها المنطقة منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم.
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن كلمة “مابوتشي” في لغة شعبهم “المابودونغون” تتكون من “مابو” وتعني الأرض، و“تشي” وتعني الإنسان أو الشعب، أي أن الكلمة تعني “شعب الأرض”. وأظن أن هذا المعنى يلخص، إلى حد بعيد، علاقة هذا الشعب بأرضه، وتمسكه بهويته، وتوقه المستمر نحو الحرية.
