في مطلع القرن العشرين، نجحت صورة واحدة في كشف جزءٍ من أكثر فصول الاستعمار الأوروبي ظلامًا. فقد وثّقت المبشّرة الإنجليزية أليس سيلي هاريس عام 1904 لحظة مأساوية ظهر فيها رجل كونغولي يُدعى نِسالا من قرية والا شمال الكونغو، وهو ينظر إلى يدٍ وقدَمٍ صغيرتين قُطعتا من ابنته ذات الخمس سنوات. وكانت تلك البقايا الجسدية هي كلّ ما بقي له منها بعد أن قتلتها قوات الاحتلال البلجيكي عقابًا لقريتها على عدم جمع الكمية المفروضة من المطاط.
لم تتوقف الفظائع عند هذا الحد؛ فقد تعرّضت والدة الطفلة للاغتصاب قبل قتلها، ثم تم التمثيل بالجثتين على نحو وحشي. وقد نقل نِسالا قصته إلى هاريس التي بادرت إلى توثيقها بعد أن لجأ إليها مذعورًا، في محاولة لإيصال صوت الضحايا إلى العالم.
وقعت هذه الجرائم في ظل نظام استعماري فرضه الملك البلجيكي ليوبولد الثاني الذي حكم الكونغو بين عامي 1885 و1908 بوصفها "ملكية خاصة" حصل عليها إثر مؤتمر برلين لتقسيم إفريقيا. وخلال تلك الحقبة، تحوّل المطاط إلى ثروة استراتيجية تسبّبت في مقتل ما بين 10 و15 مليون كونغولي، وفق تقديرات مؤرخين، نتيجة سياسات السخرة والعقوبات الجماعية وقطع الأطراف، إضافة إلى الممارسات البشعة التي طالت النساء والأطفال.
واعتمدت قوات ليوبولد سياسة مرعبة تقوم على إجبار القرى على تسليم حصص محددة من المطاط، تُنفّذ تحت تهديد القتل أو بتر الأطراف. بل إن بعض الضباط كانوا يحتفظون برؤوس ضحاياهم للعرض في حدائق منازلهم. كما شُيّدت "حدائق حيوان بشرية" في بلجيكا عام 1897 ضُمّ إليها نحو 200 كونغولي، وجرى عرضهم داخل أقفاص أمام الجمهور باعتبارهم "كائنات بدائية"، واستمر هذا المشهد المهين حتى عام 1958.
وبالقرب من تلك الحدائق لا يزال متحف "أفريقيا" في بروكسل يخلّد صورة مشوّهة للاستعمار، مُبرزًا ما يسمّيه "الدور الحضاري" للبلجيكيين، في حين يغيب عن جدرانه ذكر ملايين الضحايا.
ورغم انكشاف جرائم ليوبولد الثاني لاحقًا، لا تزال عشرات التماثيل التي تمجّده قائمة في العاصمة البلجيكية، في مفارقة صارخة مع حجم المأساة التي خلّفها حكمه.
وتبقى صورة نِسالا، التي نشرتها أليس هاريس لاحقًا في أوروبا، شاهدًا مؤلمًا على حقبة دموية شكّلت أحد أبشع نماذج الاستعمار الحديث، وذكرى تذكّر العالم بأن من يصف الآخرين بـ"الهمج" قد يكون ذاته مرتكبًا لأفظع الجرائم ضد الإنسانية.
المصدر: كتاب “شبح الملك ليوبولد” لآدم هوتشيلد (1998).
