تشاد
قبل وصول الاحتلال الفرنسي إلى الأراضي التي عُرفت لاحقًا باسم تشاد، كانت اللغة العربية لغة الإدارة والوثائق الرسمية، ولغة العلم والتعليم، وكان لرجال الدين مكانة رفيعة في المجتمع، بوصفهم قادة الفكر وحراس الهوية الدينية والثقافية.
خلال عمليات المسح التي أجراها المستعمر فور دخوله البلاد، أدرك الفرنسيون الفارق الكبير بين الشمال المسلم، ذي الطبيعة الوعرة والمكانة الراسخة للعلم والعلماء، وبين الجنوب المنبسط، المفكك بالحروب القبلية والخالي من سلطة موحدة، والذي يدين أهله بالمعتقدات الوثنية. عندها أدركوا من أين يمكنهم النفاذ للسيطرة على البلاد.
في الجنوب، اعتنق السكان الدين الجديد دون مقاومة تُذكر، بينما واجه الشمال مقاومة شرسة؛ إذ رفض السكان اعتناق المسيحية ورفضوا التعليم في مدارس المستعمر، بعدما بثّ العلماء فكرة أن تلك المدارس ما هي إلا وسيلة لانتزاع الناس من دينهم وهويتهم الإسلامية. وانتشرت الفتاوى وخطب المساجد تحذر من التعليم الفرنسي، وهو ما دفع كثيرين للفرار إلى عمق الصحراء أو خارج البلاد حفاظًا على دينهم.
وأمام هذا الرفض الشعبي، قررت السلطات الاستعمارية توجيه ضربة قاصمة إلى قلب المجتمع: العلماء.
في صباح الخميس 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، استدعت القوات الفرنسية أكثر من 400 عالم دين من منطقة وداي شرق تشاد، بعد أن أوهمتهم بأنها دعوة لمناقشة شؤون إدارة البلاد. وما إن تجمعوا في مدينة أبشة حتى طوّقها الجنود الفرنسيون بمن فيهم جنود من مستعمرات غرب إفريقيا، وأعلنوا بدء عملية تصفية جماعية غير مسبوقة.
جرى توزيع سواطير حادة جُلبت خصيصًا من فرنسا، ليبدأ الجنود بذبح العلماء واحدًا تلو الآخر، مع فصل الرؤوس عن الأجساد في مشهد مروّع سجلته الذاكرة التشادية باسم "مذبحة كبكب"، إشارةً إلى شمولية القتل وعدم نجاة أحد من العلماء.
دُفن العلماء في مقبرة عُرفت لاحقًا باسم "مقبرة الشهداء"، ولا تزال قائمة حتى اليوم في أبشة. وواصلت القوات حملة التصفية لاحقًا في القرى المجاورة، لتقتل في ذلك اليوم وحده أكثر من ألفي شخص في منطقة وداي.
أما سبب اندلاع المجزرة، فيرجع إلى حادثة اعتداء أحد الجنود الفرنسيين على امرأة من المنطقة، فقامت بالدفاع عن نفسها، وضربته بساطور فأردته قتيلًا. أحدثت الحادثة صدمة لدى المستعمرين، الذين تساءلوا عن مصدر هذا الإباء والعزة، فوجدوا أن الدين والعلم هما مصدر قوة المجتمع، فقرروا استهداف المنابع: العلماء والكتب.
أُحرقت المخطوطات وأُتلفت، ونُقل بعضها إلى فرنسا حيث لا تزال في متاحفها حتى اليوم؛ لتبقى شهادة دامغة على واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت الدين والعلم والهوية في إفريقيا.
