خلف أسوار متحف "أفريقيا" الفخم في بلجيكا، تقف تماثيل الملك ليوبولد الثاني كأيقونات تُذكّر بإرث دموي

 


على الرغم من أن المتحف الواقع قرب بروكسل والمعروف سابقًا بـ متحف الكونغو الملكي يعرض تاريخ القارة الإفريقية بطريقة "مُرمّمة" وبتوجه نقدي جديد، فإن ما يحيط به من تماثيل للملك ليوبولد الثاني ما يزال يمثل جرحًا مفتوحًا بالنسبة للكثيرين. فكل تمثال لا يستحضر إنجازات معمارية أو تحديث البنية التحتية في بلجيكا كما يروّج البعض، بل يختصر ذكرى ما يقرب من عشرة ملايين ضحية سقطوا بسبب سياساته الوحشية في الكونغو خلال حكمه الاستعماري.

أحد الزائرين علّق وهو يقف أمام أحد هذه التماثيل قائلاً: "لم أكن أعرف شيئًا عن ليوبولد الثاني حتى سمعت عن التماثيل التي تم تشويهها عبر المدينة. لم أتخيل أن تكون القصة بهذا السواد."

قانون حماية التراث… حماية للتماثيل لا للضحايا

في حين يخضع المتحف لقوانين حماية التراث التي تمنع تغيير أو إزالة ما بداخله، فإن التماثيل المنتشرة في شوارع المدن البلجيكية لا تتمتع بالحماية نفسها. ومع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للعنصرية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، أصبحت هذه التماثيل هدفًا مباشرًا للغضب الشعبي.

موجة استهداف التماثيل: حرق وتخريب وإزالة

خلال الأسبوع الماضي، أُضرمت النيران في تمثال ليوبولد الثاني بمدينة أنتويرب، قبل أن تتدخل السلطات لإزالته بالكامل.

وفي مدينتي غينت و أوستند، طُلِيَت تماثيله باللون الأحمر في إشارة إلى "الدماء المسفوكة"، بينما تعرّضت تماثيله في العاصمة بروكسل للتخريب والتحطيم.

هذه التحركات ليست جديدة تمامًا، لكنها أصبحت أكثر حدة واتساعًا في السنوات الأخيرة، مع ازدياد الأصوات المطالِبة بإزالة رموز الحقبة الاستعمارية أو إعادة تأطيرها ضمن سياق نقدي.

إرث دموي: من "دولة حرة" إلى مستعمرة رسمية

كان ليوبولد الثاني قد استولى عام 1885 على مساحة شاسعة في وسط إفريقيا باسم "دولة الكونغو الحرة"، والتي لم تكن مستعمرة بلجيكية رسميًا في البداية، بل ملكية خاصة للملك نفسه.

وخلال هذه الفترة، فُرضت على السكان المحليين أعمال السخرة القسرية، خصوصًا في جمع المطاط والعاج، وارتُكبت انتهاكات واسعة شملت:

قطع أطراف الرجال والنساء والأطفال كعقاب ولإثبات "استهلاك الرصاص"

الإعدامات الميدانية

التجويع المنهجي

نزع الأطفال من أسرهم

عمليات تهجير قسري

كانت الوحشية صادمة إلى حد أن قوى استعمارية أخرى—التي لم تكن معروفة برحمتها—وجدت نفسها مضطرة لإدانة ممارسات ليوبولد الثاني، ليتم انتزاع الكونغو من سيطرته عام 1908 وتحويلها إلى مستعمرة رسمية تديرها الدولة البلجيكية.

حديقة حيوانات بشرية… الوجه الآخر للعنصرية العلمية

إلى جانب ممارساته في إفريقيا، عُرف ليوبولد الثاني بإقامته ما سُمّي في ذلك الوقت بـ "معارض بشرية" داخل القصور والحدائق الملكية، حيث جرى عرض رجال ونساء وأطفال أفارقة في أقفاص وفي بيئات "مصطنعة" بهدف الترفيه أو للتأكيد على سرديات التفوق الأوروبي.

هذه المعارض البشرية جذبت آنذاك عشرات الآلاف من الزوار، وكانت انعكاسًا لفكر عنصري استعماري يسعى إلى إضفاء "شرعية" على التوسع الإمبريالي.

صحوة متأخرة

رغم أن الكثير من الوثائق التي تدين حكم ليوبولد الثاني كانت معروفة منذ بدايات القرن العشرين، فإن بلجيكا استغرقت عقودًا طويلة قبل أن تبدأ بمراجعة إرثها الاستعماري. وحتى اليوم، لا يزال الجدل مستمرًا بين من يدعو لإزالة التماثيل، ومن يرى في الإزالة "طمسًا للتاريخ"، ومن يطالب بالإبقاء عليها ضمن سياق نقدي مصحوب بلوحات تفسيرية.