كشفت وثائق وشهادات تاريخية أن تهجير النوبيين لم يكن حدثًا واحدًا كما يعتقد كثيرون، بل سلسلة طويلة من ثمانية موجات بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر وتواصلت عبر أكثر من ستة عقود، بسبب مشروعات الري والسدود وتغيرات سياسية واجتماعية متلاحقة.
التهجير الأول.. 1898
بدأت القصة مع إنشاء خزان أسوان في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث غرقت أراضٍ وجزر نوبية بالكامل. وخسرت نحو 10 قرى مواقعها الأصلية، واضطر السكان إلى الانتقال نحو المرتفعات ثم الاقتراب من أسوان، ليستقروا في مناطق مثل غرب أسوان، الشلال، الجزيرة، الكرور، وأحياء داخل المدينة أبرزها الحصايا والشيخ هارون والسيل.
التهجير الثاني.. 1902
مع أول تعلية للخزان غمرت المياه عشر قرى إضافية، بينها دابود ودهميت وكلابشة وجرف حسين والدكة، ما أجبر سكانها على النزوح شمالًا.
التهجير الثالث.. 1912
تسببت التعلية الثانية للخزان في غرق ثماني قرى نوبية أخرى، منها قورتة والعلاقي والمحرقة والسبوع ووادي العرب.
التهجير الرابع.. 1933
تهجير جانبي للسكان إلى سفوح الجبال، أدى إلى فقدان مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وتكبيد الأهالي خسائر اقتصادية واجتماعية واسعة.
التهجير الخامس.. 1936
في عهد حكومة مصطفى النحاس، تحركت مجموعات نوبية أخرى نحو الشمال للعمل بالزراعة في أسوان وقنا.
التهجير السادس.. 1963–1964: التهجير الأكبر
هو الأشهر تاريخيًا، وتم خلال بناء السد العالي في عهد الرئيس جمال عبدالناصر. وفيه جرى نقل معظم سكان النوبة إلى تجمعات جديدة في كوم أمبو ونصر النوبة ووادي الجن وإسنا.
التهجير السابع.. يناير 1964: وادي حلفا السودانية
بموجب اتفاق بين الرئيسين جمال عبدالناصر وإبراهيم عبود، تم تهجير مدينة وادي حلفا وقراها إلى منطقة خشم القربة في السودان، وشمل ذلك قرى عديدة مثل أشكيت وأرقين وفرس وسرة ودبيرة وصرص.
التهجير الثامن.. ما بعد 1964
مع سوء الأوضاع المعيشية في مناطق التهجير بكوم أمبو، اتجه النوبيون إلى هجرة اقتصادية واسعة داخل مصر وخارجها. فانتشروا في محافظات القناة والبحر الأحمر والقاهرة والإسكندرية، ثم في الخليج وأوروبا وأمريكا والسودان وتشاد. كما انتقل بعض أهالي القرى، مثل إدندان، إلى السودان منذ اتفاقية 1899 التي قسمت النوبة إلى شطرين مصري وسوداني.
ورغم هذا التاريخ الطويل من النزوح القسري، ظل النوبيون متمسكين بتراثهم وهويتهم ولغتهم وعاداتهم. وتبقى دراسة تأثير هذه التهجيرات وحصر القرى المنسية التي لم تُوثّق بعد مهمة بحثية ملحّة لاستكمال رواية النوبة الكاملة.
