في ربيع عام 1845، شهدت الجزائر واحدة من أكثر المجازر وحشية في تاريخ الاستعمار الفرنسي، عندما اضطر أفراد قبيلة "أولاد رياح" إلى الفرار نحو منطقة جبلية طلبًا للأمان، هاربين من حملات الانتقام والتنكيل. بلغ عددهم نحو 1800 شخص، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، اصطحبوا معهم ما تيسّر من المواشي وأكياس الحبوب، واستقروا في مغارة تُعرف بـ"غار الفراشيح"، ظنًا منهم أنها ستكون ملاذًا أخيرًا.
لكن ما إن علم الضابط الفرنسي الكولونيل بيليسييه — الذي أطلق عليه الجزائريون لقب "إبليس" — بمكان اختبائهم، حتى حاصر المغارة تمامًا، وأغلق كل مداخلها ومخارجها. وبأمر مباشر من الحاكم العام الفرنسي، الذي قال: "أحرقوهم حتى يموتوا كالثعالب!"، قام بيليسييه وجنوده بجمع الأكوام الهائلة من الحطب والقش والكبريت، وأشعلوا النار في مداخل المغارة لأكثر من 20 ساعة متواصلة!
لم تُجدِ صرخات النساء ولا توسلات الأطفال ولا أنين الشيوخ نفعًا؛ وفي الصباح، ارتكبت الكارثة. عُثر على 1800 جثة متفحمة، في مشهد يفوق الوصف. وقد وصف صحفي إسباني حضر الواقعة قائلاً:
"أشد ما أثار الرعب في هذه المحرقة، هو رؤية الأطفال متشبثين بصدور أمهاتهم في وضعية الرضاعة، وسط أكوام من رماد الأغنام وأكياس الحبوب."
عقب انتشار الخبر في الصحف الدولية، واجه الضابط بيليسييه موجة انتقادات، واستُدعي إلى باريس للتحقيق. لكنه صرّح بكل قسوة وبرود:
"إن جلد طبل واحد للجيش الفرنسي، أغلى عندي من حياة جميع هؤلاء البؤساء!"
المفاجأة لم تكن في وحشية الجريمة، بل في رد فعل فرنسا؛ إذ لم يُعاقَب بيليسييه، بل كُوفئ بترقيته إلى رتبة جنرال لواء، ثم لاحقًا إلى مارشال فرنسا، ونال أوسمة وألقابًا رفيعة، منها لقب دوق الإمبراطورية الثانية، وأصبح لاحقًا "بطلاً قوميًا" في فرنسا!
بل إنه ما إن عاد إلى الجزائر حتى قاد مجزرة أخرى في مدينة الأغواط جنوبي البلاد، قُتل فيها ما بين 2500 إلى 3000 شخص، أي ما يعادل ثلثي سكان المدينة، دون استثناء للنساء والأطفال والشيوخ.
ورغم كل هذه الجرائم، لا تزال فرنسا، ومعها دول غربية أخرى، تُلقي دروسًا في حقوق الإنسان، وتُصنّف المسلمين بأنهم "متوحشون" و"إرهابيون".
