من هم بلا وطن؟ أزمة الجنسية في قلب ليبيا"

 


ليبيا 

حلول نهاية عام 2024، سجّلت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR) في ليبيا أن عدد الأشخاص «المهجرين أو عديمي الجنسية أو العائدين من النزاع» بلغ نحو 403٬137 شخصاً. 

لا توجد أرقام رسمية دقيقة لعدد الأشخاص عديمي الجنسية في ليبيا؛ تقديرات مختلفة تشير إلى: بين 40٬000 و60٬000 شخص بحسب بعض المصادر.  بعض الجهات الأخرى تتحدّث عن 150٬000 إلى 200٬000 شخص. 

قانونية الجنسية في ليبيا: تُميّز القوانين الليبية بين الترْكة الذَكرية والترْكة النسائية. على سبيل المثال، الأطفال المولودون من أم ليبية وأب غير ليبي ليسوا تلقائياً مؤهلين للحصول على الجنسية الليبية. 

وفق تقرير لوزارة الخارجية الأميركية، في منطقة جنوب ليبيا “قد يكون حتى 30% من السكان في جنوب ليبيا وضعهم القانوني غير محدد (undetermined legal status)”. 

 الأسباب القانونية والتاريخية لظاهرة عديمي الجنسية في ليبيا

قانون الجنسية الليبي رقم 24 لسنة 2010 ينظّم من يحصل على الجنسية الليبية، ويحتوي شروطاً تعقيداً لاستحقاقها. 

من الأسباب التي أدّت إلى وجود هذه الظاهرة:

إقصاء بعض المناطق الحدودية وجنوب ليبيا عن سجلات التعداد والمراجع الإدارية في فترات ماضية. مثال: أسر في منطقة «كفـرا» لم تُسجَّل في التعداد لأن المنطقة نُقلت خارجه اهتمام الدولة. 

التمييز العرقي/القبلي: بعض الأقليات (مثل التبو والطوارق) يجدون أنفسهم دون جنسية أو بوضع قانوني ضعيف بسبب سياسات «العروبة» أو إهمال الهوية المحلية. 

قانون يجعل الجنسية تمرّ عادةً عبر الأب الليبي، وليس الأم الليبية. هذا يعني أن الأطفال من أم ليبية وأب أجنبي غالباً لا يحصلون على جنسية ليبية. 

 الأثر الإنساني والاجتماعي

ممنوع عليهم الحصول على بطاقة هوية أو الرقم الوطني أو شهادة ميلاد معتمدة في بعض الحالات، ما يعني:

عدم القدرة على الالتحاق بالمدارس أو التعليم النظامي.

عدم الحصول على الرعاية الصحية بنفس الحقوق التي يحصل عليها المواطنون.

صعوبة الدخول في سوق العمل الرسمي أو الحصول على وظائف الدولة أو امتيازاتها. 

المناطق مثل جنوب ليبيا تشهد تجمعات لهذه الحالات، والمناخ الاجتماعي يتضمن مظاهر احتجاج ومطالبة بالحقوق المدنية، مثل الحقّ في التصويت والمشاركة السياسية. 

في بعض الحالات، يولد الطفل في ليبيا لأم ليبية وأب غير ليبي، أو أب مجهول، فيبقى الطفل بدون جنسية أو هوية واضحة، ما يُدخل العائلة في دائرة التهميش المتواصل.

 الجغرافيا والمناطق المتأثرة في ليبيا

منطقة الجنوب (مثل كفرا، ووروي، ووينيات) هي من أبرز المناطق التي يسكنها أشخاص بلا جنسية أو بوضع قانوني «موقوف». 

بعض القبائل التي تعبر حدود ليبيا – تشاد، النيجر، السودان – وجدت نفسها في موقف قانوني معقّد بسبب تغيّر الحدود أو الإحصاءات أو السياسات. 

 جهود الحلحلة والمعيقات

ضمن الجهود، تبنّت الدول العربية إعلاناً بعنوان إعلان العربية للانتماء والهوية القانونية (Arab Declaration for Belonging & Legal Identity) في 2024، يعمل على تحسين تسجيل الولادة، وضمان الهوية القانونية، وحماية الأطفال والنساء من انعدام الجنسية. 

ومع ذلك، تواجه الجهات العاملة معارِضات عدة: ضعف البيانات الرسمية، صعوبات في الوصول للمناطق النائية، وعدم وجود تشريع واضح يمنح الجنسية للأمهات الليبيات بذات حقوق الآباء.

مثلاً، قرار صادر في أكتوبر 2022 منح “جميع الحقوق” لأبناء الليبيات من غير مواطنين، لكنه لم يمنح حق الجنسية تلقائياً، ما لا يزال يُشكّل تمييزاً قانونياً. 

 اقتباسات وشهادات حقيقية

> «نحن نُعتبر حتى أقل من مواطنين من الدرجة الثانية؛ يقولون لنا: “البلد لا تحتاج إلى مزيد من الشادِيين الذين يصبحون ليبيين”». – شهادة لشخص عديم جنسية في ليبيا. 

«عندما اكتشف صاحب العمل أنني بلا وثائق، طردني. نعيش في دائرة مغلقة من الحرمان». – شهادة مأخوذة من مقابلة في تقرير عن التبو جنوب ليبيا. 

 لماذا هذا الموضوع مهم؟

مسألة انعدام الجنسية تمس حق الفرد الأساسي في «الانتماء» والمواطَنة، وهما من الحقوق الإنسانية الأساسية التي يُعترف بها في المواثيق الدولية. 

في بلد مثل ليبيا، الذي يُعد نقطة عبور وتشتيت لكثير من النازحين والمهاجرين، تصبح قضية عديمي الجنسية مضمراً ضمن أزمات أكبر: النزاع المسلح، غياب الدولة القوية، التفتت الإداري، والتمييز العرقي/القبلي.

معالجة المشكلة تحمل في طيّاتها فوائد كبيرة ليس فقط للأفراد المتأثرين، بل للمجتمع ككل: تحسين إدارة الهوية، المساهمة في الاستقرار الاجتماعي، تعزيز الحقوق، وتخفيف التوترات القبلية.