الأب داميان… الكاهن الذي دَفَنَ نفسه حيًّا بين المجذومين ومات واحدًا منهم



في مايو عام 1873، واجهت جزر هاواي واحدة من أقسى الأزمات الصحية في تاريخها بعد انتشار مرض الجذام الذي كان يُعدّ آنذاك من أكثر الأمراض فتكًا وغموضًا، إذ يفقد المصاب به الإحساس بالألم وتتساقط أطرافه تدريجيًا حتى الموت. ولمنع انتقال العدوى، كانت السلطات تنفي المرضى إلى جزيرة معزولة تُدعى مولوكاي، التي تحوّلت مع الوقت إلى معتقل طبيعي بلا أمل ولا علاج.

وفي ظل هذا الواقع القاسي، دعا الأسقف كهنة الأبرشية إلى تخصيص أحدهم لرعاية المنفيين في الجزيرة. لم يتردد الكاهن الشاب الأب داميان، البالغ من العمر 33 عامًا، لحظة واحدة، وقال أمام الجميع: «أنا مستعد أن أدفن نفسي حيًا مع هؤلاء البائسين… كم أتمنى أن أبذل حياتي من أجلهم».

كانت تلك الجملة بداية رحلة غيرت تاريخ الجزيرة ووجه الإنسانية هناك.

ما إن وصل الأب داميان إلى مولوكاي حتى فوجئ بظروف لا يمكن وصفها؛ قذارة، فوضى أخلاقية، يأس كامل، وانهيار تام للخدمات الأساسية. كان المرضى يعيشون بلا ماء كافٍ، في بيوت متهالكة، وتنبعث من جروحهم روائح يصعب احتمالها. ومع ذلك، انطلق الأب داميان يخدمهم بمحبة نادرة: يبني لهم بيوتًا، يضمد جروحهم بيديه، يأكل معهم من الطبق نفسه، ويعيش بينهم كواحد منهم. ولم يكن يستخدم أي احتياطات للوقاية من العدوى، وكان يخاطبهم دائمًا قائلاً: «نحن المجذومين».

وفي عام 1884، أدرك الحقيقة التي توقّعها منذ اليوم الأول: أصيب بالجذام. اكتشف ذلك عندما وضع قدمه في ماء يغلي دون أن يشعر بالألم. كتب لرؤسائه يقول: «لم يعد لدي شك أني مجذوم… وليس هذا إلا نتيجة طبيعية لاختلاطي الطويل بشعبي».

ورغم تدهور صحته، واحتراق يده في عيد الميلاد عام 1889 دون أن يشعر، ظلّ الأب داميان ممتلئًا بالسلام، وكتب:

«ما زلت سعيدًا… ولا أرغب في الشفاء إن كان ثمنه أن أغادر إخوتي المجذومين».

تشوّه وجهه وتورمت يداه، حتى بات عاجزًا عن إقامة القداس، وكتب وصيته الأخيرة: «الآن أموت فقيرًا… لم يعد لدي شيء».

وفي يوم الاثنين 15 أبريل 1889، عن عمر 49 عامًا، رحل الأب داميان في بداية أسبوع الآلام، بعد أن عاش ومات بين من أحبّهم، وكتب على قبره:

«في ذكرى الأب داميان… شهيد محبته لمرضى الجذام».

اليوم، يقف تمثال الأب داميان في هاواي رمزًا للإنسانية والتضحية، وطُبعت صورته على طابع بريد تكريمًا للرجل الذي عاش رسالة حب حتى النهاية، فصار أيقونة عالمية للعطاء.