اليوجا المنسية.. كيف حفظ السكان الأصليون في الهند أسرار التأمل عبر القرون؟”
في أعماق الغابات والجبال الهندية، بعيدًا عن صخب المدن الحديثة، لا تزال بعض المجتمعات الأصلية تمارس طقوسًا وحركات جسدية وروحية تشبه ما يعرف اليوم بـ”اليوجا“. وبينما أصبحت اليوجا صناعة عالمية بمليارات الدولارات، يطرح باحثون ونشطاء تساؤلات متزايدة: هل فقدت اليوجا جذورها المرتبطة بالسكان الأصليين والثقافات التقليدية في الهند؟
اليوجا قبل أن تصبح “موضة عالمية”
تعود جذور اليوجا إلى آلاف السنين، حيث ارتبطت بالفلسفات الروحية القديمة في شبه القارة الهندية. لكن العديد من الدراسات الأنثروبولوجية تشير إلى أن بعض الممارسات الجسدية والتأملية نشأت داخل مجتمعات ريفية وقبلية كانت تعيش في انسجام مع الطبيعة، قبل أن تُدوَّن لاحقًا في النصوص الدينية والفلسفية الكبرى.
في مناطق مثل غابات وسط الهند وجبال الهيمالايا، احتفظ السكان الأصليون بطقوس تعتمد على التنفس العميق، التأمل، وحركات الجسد المرتبطة بالعلاج الروحي والتواصل مع الطبيعة. ويرى باحثون أن هذه الممارسات ساهمت في تشكيل ما أصبح لاحقًا مدارس اليوجا المختلفة.
من طقس روحي إلى صناعة عالمية
خلال القرن العشرين، انتقلت اليوجا من المعابد والمجتمعات التقليدية إلى العواصم العالمية، خاصة بعد انتشارها في أوروبا والولايات المتحدة. وتحولت تدريجيًا إلى أسلوب حياة يرتبط باللياقة البدنية والاسترخاء، ثم إلى سوق ضخم يشمل الملابس والمراكز الرياضية والسياحة العلاجية.
وبحسب تقارير دولية، يمارس عشرات الملايين حول العالم اليوجا بشكل منتظم، فيما تروج الهند لها باعتبارها جزءًا من قوتها الثقافية الناعمة، خصوصًا بعد اعتماد يوم عالمي لليوجا من قبل الأمم المتحدة.
لكن هذا الانتشار الواسع أثار أيضًا جدلًا حول “تسليع الروحانيات”، إذ يرى منتقدون أن اليوجا الحديثة جُرّدت أحيانًا من بعدها الثقافي والروحي، وتم تقديمها كمنتج تجاري منفصل عن جذوره التاريخية.
السكان الأصليون يطالبون بالاعتراف
في السنوات الأخيرة، بدأت أصوات من المجتمعات الأصلية الهندية تطالب بإعادة الاعتبار لدورها التاريخي في حفظ الممارسات الروحية والجسدية القديمة. ويقول ناشطون إن الكثير من التراث التقليدي تم نقله إلى العالم دون الاعتراف الكافي بمن حافظوا عليه عبر القرون.
ويؤكد باحثون في التراث الثقافي أن حماية هذا الإرث لا تعني فقط الحفاظ على حركات وتمارين، بل أيضًا صون الفلسفة التي تقوم على التوازن بين الإنسان والطبيعة والجسد والروح.
بين الأصالة والعولمة
اليوم، تقف اليوجا عند مفترق طرق: فهي من جهة رمز عالمي للصحة النفسية والجسدية، ومن جهة أخرى قضية ثقافية ترتبط بالهوية والتراث وحقوق المجتمعات الأصلية.
ورغم تغير أشكال ممارستها حول العالم، تبقى اليوجا بالنسبة لكثير من الهنود أكثر من مجرد تمارين رياضية؛ إنها امتداد لذاكرة حضارية طويلة، بدأت في القرى والغابات وبين شعوب عاشت لقرون في حضن الطبيعة.
